مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
274
تفسير مقتنيات الدرر
لمّا ظهر من التوكّل على اللَّه من المؤمنين بموسى أمر سبحانه موسى وهارون عليهما السّلام باتّخاذ المساجد والإقبال على الصلوات فقال : * ( [ تَبَوَّءا ] ) * أي اتّخذاه مكانا كقوله : « توطَّنه » أي اتّخذه وطنا . قوله : * ( [ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ] ) * قال الفرّاء : معناه : واجعلوا بيوتكم إلى القبلة . واختلفوا في أنّ هذه القبلة أين كانت ؟ فظاهر لفظ القرآن لا يدلّ على تعيّنه إلَّا أنّه نقل عن ابن عبّاس أنّه قال : كانت الكعبة قبلة موسى . وبعضهم يقول : الكعبة قبلة كلّ الأنبياء . وقال آخرون : كانت تلك القبلة جهة بيت المقدّس . وخصّ موسى بالتبشير ليدلّ بذلك الخطاب على أنّ الأصل في الرسالة موسى وأنّ هارون تبع له وكأنّ موسى وقومه كانوا في أوّل الأمر مأمورين بأن يصلَّوا في بيوتهم خفية عن الكفرة كما كان المسلمون كذلك في أوّل الإسلام في مكّة . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 88 إلى 89 ] وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَه ُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الأَلِيمَ ( 88 ) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 89 ) المعنى : لمّا بالغ موسى في إظهار البيّنات ورأى القوم مصرّين على الجحود والعناد أخذ يدعو عليهم ، ولمّا علم أنّ سبب إنكارهم وجحودهم اشتغالهم بزينة الدنيا من الصحّة والجمال واللَّذّات * ( [ قالَ مُوسى ] ) * يا ربّ * ( [ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ] ) * وأشراف قومه * ( [ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) * . . . * ( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ] ) * . قالت الأشاعرة : اللام هاهنا للتعليل وغرضهم من هذا المعنى إثبات مذهبهم الجبر . وذلك فاسد لأنّا قد علمنا بالأدلَّة الواضحة أنّ اللَّه سبحانه لا يبعث الرسول ليأمر الخلق بالضلالة ولا يريد منهم الكفر والضلال ، وكذلك لا يؤتيهم المال ليضلَّوا . قال القاضي عبد الجبّار المعتزليّ : لا يجوز أن بكون اللام بمعنى الغرض والأجل